محمد سعيد رمضان البوطي
161
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
عن مشاعرهم الإسلامية ومعاهدتهم الكبرى مع اللّه تعالى ؟ إذن فمن حق النّبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يكون الأمين فيهم على هذه المعاهدة ومن واجبهم أن يبذلوا حقوق هذه المعاهدة ويقوموا بمسؤولياتها كاملة . ولدى التأمل فيما أجاب به سعد بن معاذ ، نعلم أن المبايعة التي ارتبط بها الأنصار مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في مكة قبل الهجرة ، لم تكن إلا مبايعة مع اللّه تعالى ، ولم يكونوا يتصورون وهم يلتزمون الدفاع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حينما يهاجر إليهم إلا دفاعا عن دين اللّه تعالى وشريعته . فليست القضية مسألة نصوص معينة اتفقوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عليها فهم لا يريدون أن يلتزموا بما وراءها ، وإنما المسألة أنهم إنما وقّعوا بذلك تحت صك عظيم تضمن قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ . . [ التوبة 9 / 111 ] . ولذلك كان جواب سعد رضي اللّه عنه : « لقد آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق . . فامض لما أردت فنحن معك » . أي فنحن نسير معك وفق معاهدة أعظم من تلك التي اتفقنا عليها معا ، في بيعة العقبة . 4 - يجوز للإمام أن يستعين في الجهاد وغيره بالعيون والمراقبين ، يبثهم بين الأعداء ليكتشف المسلمون خططهم وأحوالهم وليتبيّنوا ما هم عليه من قوة في العدة والعدد . ويجوز اتخاذ مختلف الوسائل لذلك ، بشرط أن لا تنطوي الوسيلة على الإضرار بمصلحة هي أهم من مصلحة الاطلاع على حال العدو ، وربما استلزمت الوسيلة تكتما أو نوعا من المخادعة أو التحايل . وكل ذلك مشروع وحسن من حيث إنه واسطة لا بد منها لمصلحة المسلمين وحفظهم . وقد جاء في كتب السيرة أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم لما نزل قريبا من بدر ، ركب هو ورجل من أصحابه حتى وقف على شيخ من العرب فسأله النّبي صلّى اللّه عليه وسلم عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم . فقال الشيخ : « لا أخبر كما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إذا أخبرتنا أخبرناك ، فقال : أذاك بذاك ؟ قال : نعم . فأخبره الشيخ بما يعلم من أمر المشركين ، وبما قد سمعه من أمر النّبي وأصحابه ، حتى إذا فرغ من كلامه قال : فممن أنتما ؟ فقال النّبي صلّى اللّه عليه وسلم : نحن من ماء ، ثم انصرف عنه . فأخذ الشيخ يقول : ما من ماء ؟ أمن ماء العراق ؟ » . 5 - ( أقسام تصرفاته صلّى اللّه عليه وسلم ) : ويدلنا الحديث الذي جرى بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والحباب بن المنذر في شأن المكان الذي نزل فيه ( وهو حديث صحيح الإسناد كما رأيت ) أن تصرفات النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ليست كلها من نوع التشريع ، بل هو في كثير من الأحيان يتصرف من حيث إنه بشر من الناس يفكر ويدبر كما يفكر غيره ، ولا ريب أننا لسنا ملزمين باتباعه في مثل هذه